أحمد بن محمد ابن عربشاه

166

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فعلى هذا ينبغي التأمل في عقبى هذه الحوادث والتدبر في قصارى هذه الأمور الكوارث ، ثم الأخذ في تعاطيها والشروع في أسباب تلافيها ، إنما يكون بعد إمعان الأنظار وإنعام التدبر والأفكار . ثم اعلم أيها الرئيس الداهى النفيس ، شيخ المكر والتلبيس والبياسة والتدليس ، إن الله القديم القادر الحكيم لم يخلق في الموجودات ولم يوجد في المخلوقات أعز جوهرا من الإنسان ، فإنه فضله على جنسي الملك والجان واختصه ، بدقيق النظر ، وعميق الفكر ، وسرعة الإدراك ؛ فهو مع عدم الحراك يحكم وهو ساكن على ما تحت الثرى وفوق الأفلاك ، وشمله بعوائده وعوّده بفوائده ، ولطف به في مصادره وموارده ، فهو أرحم به من والدته المشفقة ووالده ، ووكل بحفظه الكرام الكاتبين وملائكته المقربين ، ورباه في حجر نعمته على موائد لطفه وكرمه ورحمته ، كما تربى الوالدة الشفيقة والظئر « 1 » الرقيقة الرفيقة ، وألهمهم العلم الغزير والقدر الخطير والرأي والتدبير ، وأطلعهم على غامض الأسرار ودقائق الأفكار ، وإن علمنا بالنسبة إلى علمهم وحملنا في القياس إلى ثباتهم ، وحلمهم كنسبة علم الفلاح المغتر إلى علم الطبيب المعبر بحسن النظر . قال العفريت : أخبرني بذلك يا شيخ المصاليت . [ 27 ] [ نسبة علم الفلاح المغتر إلى علم الطبيب المعبر بحسن النظر : ] قال الوزير : أخبرني شيخ كبير أنه رأى في منامه فلاح كأنه خرج من بطنه مفتاح ، فلما أصبح الصباح جاء إلى رجل من أهل الصلاح يعبر المنامات ، وكان ذا كرامات فقص عليه رؤياه وطلب منه تعبير ما رآه ، فقال له : يا رئيس هذا منام نفيس لا أذكر ما فيه من تعبير إلا بدينار كبير ، فحصل له بشارة ، فناوله ديناره ، فقال : يولد لك ولد ذكر يكون سببا للفتوح

--> ( 1 ) الناقة الشفيقة بولدها .